الشيخ محمد هادي معرفة
107
تلخيص التمهيد
وأخرج البخاري عن عمر بن الخطّاب ، قال : لمّا توفّي عبد اللَّه بن أبي سلول جاء ابنه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه ، ثمّ سأله أن يصلّي عليه ، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ليصلّي عليه . قال عمر : فأخذت ثوبه وقلت : تصلّي عليه ، وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه ؟ ! فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إنّما خيّرني اللَّه فقال « اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » « 1 » وسأزيد على السبعين . قال : إنّه منافق . قال : فصلّى عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأنزل اللَّه : « وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ » « 2 » . قال عمر : فعجبتُ بَعْدُ من جرأتي على رسول اللَّه « 3 » . قلت : « وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ » « 4 » . كيف يظنّون بنبيّ الإسلام جهله - والعياذ باللَّه - بأحكام الإسلام ، فيحاولوا اختلاق منقبة لابن الخطّاب ، وإن كان قد تستدعي الحطّ من قداسة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والمنقصة من كرامته ؟ ! بل سوّلت لهم أنفسهم أمراً ، فصبر جميل ، واللَّه المستعان على ما يصفون . أوّلًا : النبي صلى الله عليه وآله معصوم ، وكلّ أفعاله وأقواله وحتّى تقريره سنّة متّبعة ، ليس لأحد - على الإطلاق - أن يعارضه فيأمره أو ينهاه ممّا يرتبط بأمر الشريعة . إن هذا إِلّا فضول وخروج عن الطاعة والاستسلام ومعاكسة صريحة مع قوله تعالى : « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ » « 5 » . ومن ثمّ حاول أئمّة النقد والتمحيص إنكار هذه الرواية . وقالوا : هذا وهمٌ من الرواة . وعلّلوا ذلك بأنّه يستلزم أن يكون عمر قد اجتهد مع وجود النصّ « 6 » . وحاول ابن حجر تصحيح الخبر والردّ على هؤلاء ، لكنّه أتى بما يزيد في الطين بلّة ، وفي الطنبور نغمة . انظر إلى سفاسفه : يقول : زعم غير هؤلاء أنّ عمر اطّلع على نهي خاصّ في ذلك . وقال القرطبي : لعلّ ذلك
--> ( 1 ) التوبة : 80 . ( 2 ) براءة : 84 . ( 3 ) صحيح البخاري : ج 6 ص 85 - 86 . ( 4 ) سبأ : 20 . ( 5 ) الأحزاب : 21 . ( 6 ) ذكره عنهم ابن حجر في فتح الباري : ج 8 ص 252 - 253 .